عبد الملك الجويني

85

الشامل في أصول الدين

وربما عبّر شيخنا عن ذلك فقال : شرط كل حادث على أصول الدهرية أن ينقضي قبله آحاد ما لا نهاية له . ومآل ذلك في التحقيق يرجع إلى أنه لا يحدث حادث إلا بعد أن ينقضي ما لا ينقضي . ومن ذلك قال أهل الحق : إن في تقدير حوادث لا نهاية لها نفي لجملة الحوادث ، فإنها لو ثبتت ، لكان كل واحد مشروطا بمحال وهو انقضاء ما لا ينقضي قبله ، وكل ما علق ثبوته بمحال ، كان محالا . وهذه الطريقة مغنية في إثبات ما نرومه . ثم سلك أئمتنا طرقا في الحجاج : منها أن قالوا : من أثبت الحوادث ، ونفى الأولية فيقسم عليه القول ، ويقال له : نفي الأولية لا يخلو : إما أن يرجع إلى موجود واحد ، وإما أن يرجع إلى موجودات . فإن رجع ذلك إلى موجود واحد ، أثبتوه في الأزل ونفوا أوليته . فقد أثبتوا قديما لا أول له ، وأثبتوا حوادث متناهية لها أول . واستبان أن الذي نفى عنه الأولية ليس من الحوادث ، بل هو متصف بالقدم في نفسه ، وما هو من الحوادث ، فالنهاية والبداية لازمتان له . وإن زعم الخصم أن نفي الأولية يرجع إلى موجودات ، ولا يتخصص بموجود واحد ، كان ذلك واضح البطلان . فإن كل حادث له أول . فينبغي أن يصرف نفي الأولية إلى ذات أزلية ، وإثبات حادث أزلي تناقض لا خفاء به . ومما تمسك به الأئمة أن قالوا : حقيقة الحادث : الموجود الذي له أول . فإذا كان هذا حقيقة الحادث الواحد ، فحقيقة الحوادث : هي التي لها أول . إذ الحقائق لا تختلف بانضمام آحاد إلى أفراد . والذي يقرر ذلك أن الجوهر الواحد إذا كان من حقيقته التحيز ، فالجواهر متحيزة إذا ثبت كون الجوهر الواحد متحيزا . وقد التزم بعض الأغبياء على ذلك سؤالا فقال : قد يثبت لحالة الاجتماع من الحكم ما يثبت في الانفراد ، فإن الواحد لو أخبر عما شاهده ، لم يقتض إخباره العلم بالمخبر ، ولو أخبر عدد التواتر عما شاهدوه ، تضمن اخبارهم العلم بالمخبر فرقا بين الإفراد والاجتماع ، وهذا خلف من الكلام مرذول . وذلك أن الذي تمسكنا به مرتبط بالحقائق ، والذي ألزمه السائل ليس من قبيل الحقائق . وذلك أن إخبار أهل التواتر - ليس يوجب العلم بحقيقته - راجع إلى أجناس المخبرين أو إلى أجناس أخبارهم ، ولكنه منوط باطراد العادة . ويجوز في المعقول تقدير انخراق العادة في إخبار أهل التواتر ، حتى لا يعلم المخبر . وإذا سبق المقتضي الانقضاء ، وجب متأخر عنه ، وإذا تأخر عنه ، كان له أول منه ابتدأ . والمنقضي الذي سبقه له أول أيضا ، لأنه قبل الانقضاء ، والانقضاء يعقبه . وإذا تقدم الانقضاء منقض ، وجب أن يكون لهما أولان ، وهذا موجب تناهيهما . فوزانه وزان الحركة ، فإنها أبدا مسبوقة